العيد ... مدرسة التفاؤل
أ.د/ناصر بن سليمان العمر تذكرت أبيات الصاحب بن عباد قبيل عيد هذا العام وأنا أقلب النظر في حال الأمة يمنة ويسرة ، وجراحات المسلمين ضاربة أطنابها شرقاً وغرباً وكأنه اختزل لنا هذه الحال في تلك الأبيات التي تفيض أسى وحزناً أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصا جناحاه ففي فلسطين ما يُدمي القلب، ويُحدث الأسى ، وبنو صهيون قد طغوا وبغوا وتجبروا ، وفي أفغانستان أهوال تشيب لها الولدان ، فلم تنعم بالأمن منذ أكثر من عشرين عاماً ، ابتداء بجرائم الروس وفظائعهم ، وانتهاء بكبرياء الغرب وغطرستهم ، وتحزب الأحزاب وتكالبهم ضد شعب بريء مستضعف قد أوهنته الحروب ، واشتدت عليه الخطوب ، ولجأ إلى الله يشكو ظلم الظالمين ، وخذلان الجيران والمسلمين والمحبين ، ولا يزال في الشيشان جرح ينزف ، ودماء تسيل ، وضاعت أصوات الثكالى وآهات المكلومين في زحمة هذه المآسي والآلام ، حتى كدنا أن ننسى أن هناك مصيبة في بلاد الشيشان . أما كشمير والفليبين والأرخبيل ، فتشكو حالها إلى الله ، فلم تعد أخبارها تثير الحزن ، أو جراحها تهز الوجدان ، وذهبت صراخاتها أدراج الرياح . رب وامعتصماه انطلقت *** ملء أفواه الصبايا اليتم بل إنني تذكرت وأنا أقلب النظر في مآسي المسلمين وجراحاتهم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يذكر لنا القتال الذي سيجري مع الروم، وكان مما قاله في هذا الحديث العظيميقتتلون مقتلة – أما قال : لا يرى مثلها ، وأما قال : لم يرى مثلها ، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتاً ، ثم قال : فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم ) رواه مسلم . ما لي وللـــنجم يرعاني وأرعاه *** أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه ومع تلك المآسي والجراحات ، فإن هناك الأمل المشرق ، والمستقبل الباهر -بإذن الله- الذي يبشر بفتح عظيم وانتصار قادم ، بدت بوادره تظهر في زحمة الآلام والأحزان . ومكلف الأشياء ضد طباعها *** متطلّب في الماء جذوة نار إننا بحاجة إلى أن نربى الأمة على التفاؤل الإيجابي، الذي يساهم في تجاوز المرحلة التي تمرّ بها اليوم ، مما يشدّ من عضدها ، ويثبّت أقدامها في مواجهة أشرس الأعداء، وأقوى الخصوم؛ ليتحقق لها النصر بإذن الله .
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراًَ *** فسـاءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطــمار جائعة *** يغزلن للناس ما يملكن قطـميرا
يطـأن في الطين والأقدام حافية *** كأنها لم تـــطأ مسكا وكافورا
لا مست أسماعهم لكنها *** لم تلامس نخوة المعتصم
تذكرت هذا الحديث وأنا أسمع أخبار المسلمين وأعداد القتلى بالمئات بل بالآلاف، فقلت : بأي عيد نفرح؟ أو بأي مناسبة نحتفل ؟ !
ومما زاد في الحزن والأسى ما أسمعه من استعدادات كبرى تجرى للاحتفال بالعيد ، وفيها من المآثم وكفر النعمة والاختلاط ما لا يخفى ، والذين يشاركون في هذه الاحتفالات يقعون في جملة من الأخطاء، ويرتكبون عدداً من الذنوب والآثام ، فكيف يكون شكر الله على نعمة هذا الشهر، وما أكرمنا به من الصيام والقيام والعبادة ، بمثل هذه السفاهة وخفة الأحلام !
وكيف يحتفل الناس باللهو والعبث، وجراحات المسلمين تنزف، والعدو قد استباح الدماء والأعراض ، ألا نخشى أن يحلّ بنا ما حذّر الله منه في كتابه " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميراً " .
ألا نتذكر قولـه تعالى "وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " .
بينما دلّنا سبحانه كيف يكون شكره في ختام هذا الشهر الكريم " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون " .
إن شكر الله وحمده، والثناء عليه يكون بالمحافظة على دينه، والأخذ على أيدي السفهاء، وقصرهم على الحق قصراً ، وأطرهم عليه أطراً ، ودعم الجهاد ومساعدة المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله والدفاع عن شرعه ، وردّ كيد المعتدين في نحورهم من اليهود والنصارى، والمشركين، والعلمانيين، ومن حالفهم من المنافقين والمهزومين .
تذكرت ونحن نستقبل هذا العيد المبارك ما شدا به محمود غنيم –رحمه الله- في قصيدته الرائعة، فأشجاني، وأثار كوامن في النفس مدفونة :
لي فيك يا ليــــــل آهات أرددها *** أواه لو أجدت المــــحزون أواه
كم صـــــــــرّفتنا يد كنا نصرّفها *** وبات يملكنا شــــــــــعب ملكناه
أنى اتجــهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصا جناحاه
إن هذه الفواجع تحمل في رحمها نوراً ساطعاً، وبشرى لا تخفى على ذي عينين ، ستنير ما بين المشرق والمغرب بإذن الله .
ولقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم وعلمنا كيف يكون التفاؤل في أقسى الظروف والأحوال، فهاهو صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عائشة -رضي الله عنها- ويجيبها عن سؤالها : هل مرّ عليه يوم أشد من يوم أحد فقال: ( لقد لقيت من قومك -وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة- إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا ب ( قرن الثعالب ) فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني ، فقال: ( إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال ، لتأمره بما شئت فيهم ، قال : فناداني ملك الجبال ، وسلّم علي ، ثم قال : يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ) رواه مسلم .
أي تفاؤل أعظم من هذا التفاؤل ؟ يخرج هائماً على وجهه من شدة ما يلاقي من قومه، ومع ذلك يقول لملك الجبال تلك المقالة . إنها تدل على قوة إيمان، وثقة بالنصر، وبعد عن اليأس ، وأمل مشرق ، وتفاؤل لا يحدّه حدّ ، فلم تكن تلك الظروف المحيطة به -مع ما فيها من آلام وأحزان- لتحول بينه وبين هذا الأمل، واستشراف المستقبل، وحسن الظن بالله .
إنه قد خرج عن الدائرة الضيقة التي يعيش فيها إلى الأفق الرحب ، والأمل الواسع، والتطلع إلى المستقبل بثقة لا تعرف اليأس والقنوط .
وتمضي السيرة تؤكد لنا هذا المنهج الذي يربي عليه صلى الله عليه وسلم أمته ، فعندما جاء الصحابة يشكون له حالهم ، وما يلاقونه من قريش ، كما في حديث خباب ، فيفاجئهم صلى الله عليه وسلم بمقولته الرائعة ، التي تنقلهم من هذا الضيق والعناء ، إلى المستقبل الباهر، والفضاء الرحب، والسيادة المطلقة ( والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه ) ثم يختم ذلك بمقولة تدل على إدراك عميق لطبيعة النفس البشرية ( ولكنّكم تستعجلون ) .
أما قصة الهجرة عندما لحقه سراقة ليدلّ عليه قريش ، ثم حدث لفرس سراقة ما حدث، وبعد أن أعطاهم الأمان وطلب الدعاء ، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له كلاماً يدلّ على ما تحمله نفسه صلى الله عليه وسلم من ثقة بالله ، وتفاؤل لا يعرف الحدود، مع أنه قد خرج من أحبّ البلاد إليه طريداً خائفاً من قريش ، ليس معه إلا صاحبه رضي الله عنه فإذا هو يبشّر سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى ، إنه هنا صلى الله عليه وسلم يبشّر بسقوط مملكة من أعظم الدول والممالك في ذلك الزمان، وهي مملكة فارس التي كانت تتقاسم مع الروم السلطة والملك .
إنه بون شاسع، وفرق عظيم بين الحال التي كان عليها وهو يقول لسراقة ما قال، وبين ما يبشّره به من فتح عظيم، ونصر لهذا الدين يتخطى الجزيرة إلى مملكة من أعظم الممالك في التاريخ وهكذا كان .
إن تربية النفس على التفاؤل في أعظم الظروف وأقسى الأحوال، منهج لا يستطيعه إلا أفذاذ الرجال ، والمتفائلون وحدهم هم الذين يصنعون التاريخ ، ويسودون الأمم ، ويقودون الأجيال .
أما اليائسون والمتشائمون ، فلم يستطيعوا أن يبنوا الحياة السوية ، والسعادة الحقيقية في داخل ذواتهم ، فكيف يصنعونها لغيرهم ، أو يبشّرون بها سواهم ، وفاقد الشيء لا يعطيه .
والتفاؤل الإيجابي ، هو التفاؤل الفعّال، المقرون بالعمل المتعدي حدود الأماني والأحلام .
والتفاؤل الإيجابي هو المتمشّي مع السنن الكونية ، أما الخوارق والكرامات فليست لنا ولا يطالب المسلم بالاعتماد عليها ، أو الركون إليها ، وإنما نحن مطالبون بالأخذ بالأسباب ، وفق المنهج الرباني .
والتفاؤل الإيجابي هو التفاؤل الواقعي الذي يتّخذ من الحاضر دليلاً على المستقبل دون إفراط أو تفريط ، أو غلوّ أو جفاء .
والتفاؤل الإيجابي هو المبنيّ على الثقة بالله ، والإيمان بتحقق موعوده ، متى ما توافرت الأسباب، وزالت الموانع ( ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) .
والمتأمل للواقع اليوم يرى من المبشّرات مالا يستطيع جاحد أن ينكره ، ويكفي من ذلك أن هذه الأمة أصبحت الشغل الشاغل للعالم يحسب لها العدو ألف حساب ، وما تحالف العالم اليوم بقيادة أمريكا ضد المسلمين باسم (مكافحة الإرهاب) إلا دليل على قوة شأن الأمة ، وأنها بدأت تسير نحو طريق العزة والكرامة، والمجد والخلود ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ولكنكم تستعجلون ) .
وتأمّل معي هذه البشرى " لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " .
وعضّ على هذا النبراس العظيم " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون "
وكل عيد ونحن وأنتم والمسلمون بخير ..
أضف تعليقا
من الولايات المتحدة

أخي العزيز سيف
نقل جميل جداً ورائع، هذه حال الدول العربيه الأن
لهو ومرح وفرح واحتفالات،يوم القدس تحتفل به إيران والمظاهرات تعم
الشوارع، والدول العربيه لا تبالي في القدس أو ما يجري
في بلاد المسلمين.
أي عيد هذا وعلم الدوله العبريه يرفرف فوق العواصم العربيه
فوضنا أمرنا إلى الله ولا حول ولا قوة إلى بالله.
أبو مراد
من لإمارات العربية المتحدة

الأخ سيف ...
قصيدة تحمل عمق المشاعر بما فيها من جراح
الحق باق لن يموت
والفرج قادم بإذن المنون
والصبر صفة المؤمنين
وبالخلافة يأتي النصر المبين
تحيات / كروم
من الأردن

الجار الكريم ٠٠
تحتار الكلمات فيما تقول في حال أمة قد تغير
من بعد قوة ومكانة بين الشعوب حتى انها كانت
ذات الكلمة الاولى اصبحت الان لا نعرف ما نقول
عنها فها هي كل دولة همها نفسها دون ان تلتفت لما يصيب جارتها من الدول الاسلامية الاخرى هي تشعر بالعيد وتنسى عيد جارتها
فكيف نريد من الغرب ان يخشانا
ونحن ننسى بعضنا
كلمات لازال القلم يحتار فيها
دمت بكل الخير على هذه الكلمات
وكل عام وانت بخير
تحياتي
من مصر

اخى // سيف
كل عام وانت بخير
وعيد مبارك على الجميع
دعوة جميلة منك
دمت بكل خير
تحياتى وودى
انجــــــــى
من لإمارات العربية المتحدة

** سيف **
أجدت في الطرح بارك الله فيك ، مقاله رائعه أتمنى لك دوام التوفيق والـتألق ، دمت بحفظ الله ورعايته ، وكل عيد وانت وأسرتك الكريمه بألف خير ،
لك مني التحيه ،
(شجن )
من مصر

اخى الفاضل // سيف
باركــ الله فيكــ لهذا المقال الجيد
كا اعتدنا منكـ
كل عام وانت بألف خير سعادة
وعيد سعيد عليكــ وعل الامة الاسلامية
اختكــ
//
\\
//
سومه
أخي الفاضل
عيد مبارك سعيد أدخله الله عليك وعلى الأمة الاسلامية بالأمن في الأوطان.
ويبقى الأمل في غد أفضل.
من مصر

أخي الكريم
سيف
كل العمر وانت بخير
انك تنقل أسوأ أحوالنا يا أخي
ولكن ربما يحتاج القلب بعض الفرح ليستعد ويتجدد
السلام عليكم
العيد مدرسة التفاؤل
مقال مميز جدا
وحضرتك دائما مميز ماشاء الله
وكل سنة وحضرتك طيب
وكل اسرتك والشعب الفلسطينى الشقيق
بخير وسلام مع مرور العيد السعيد
لك ارق تحياتى
ايمان
من الأردن

اخي سيف
كل عام وانتم بخير اعاده الله علينا وعليكم بالخير
انشاء الله النصر قريب لكل الامم الاسلاميه والعربية بأذن الله
وعيدنا هو ازاله الاستعمار والدمار وقهر المغتصب
ان الله على كل شيء قدير
روز
من ليبيا

اخي .. العزيــز سيف ..
كل عام وانت بخير ... اختيار جميل للموضوع كما تعودنا منك .. ودمت مميز ونوع فريد من الجيران ..
احترامي وتقديــري
تيمـــو
من مصر

السلام عليكم
اخى فى الله
اللهم اجعل ايامكم كلها اعياد
بارك الله فيكم على هذا المقال المميز
من مصر

لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " .
جزاء الصابرين خيرا" ان شاء الله
مادام شر مهما طال
عيد باي حال عدت يا عيد
لكن على العموم
كل سنة وانت طيب
وان شاء الله نحتفل وكل اراضينا محررة
عيد سعيد و ان شاء الله نعيد الاقصى المجيد بيد من حديد و رحم الله كل شهيد
دمتم سالمين ........... اخوكم حمراوي .
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية





























<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
<
Watch live video from bohsaraقـــنـــــاة on Justin.tv
من الأردن
الأخ الكبير
فعلا أن لك ميزة عن كل الجيران من حولنا فلك مواضيع الجميع غافل عنها وأنك تصيغها بأجمل حلة ومقربة لذهن الجميع فشكرا على مجهودك المضاعف الذي تقدمة لخدمة وطننا الغالي ولإصال ما تحب لمن تحب
وكل عام وأنت بخير عزيزي