إنّ العالم اليّوم، كحاله يوم بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، يقوم على أسس جاهلية في كل نواحي الحياة... ودعوة الإسلام تهدف في الصميم إلى إحداث انقلاب جذري في هذا الكون، تريد إزالة الجاهلية واستبدالها بالشريعة الإسلامية المطهّرة، {حتى لا تكون فتنة ويكون الدّين كله للّه}... وإنّما يتم هذا الانقلاب من خلال أمّة تتولى هذا التغير، أمّة تعرف واجبها في السّراء والضّراء وواجبها نحو ربها ونحو إخوانها وأعدائها.
القرآن الكريم دستور هذه الأمّة؛ في تربيته لهذه الأمّة وضع لها خطوطا رئيسية ترسم لها خط سيرها في الشدّة والرخاء وترجع إليها عند الملمّات... الالتزام بهذه الثوابت يجعل سير الأمّة نحو هدفها سيرًا ثابّتا لا يتغير بتغير الظروف وحلول النوائب... تأهيل هذه الأمّة لاستلام قيادة البشرية نحو شاطىء السلامة عمل شاق وطويل... يدل على ذلك نصوص الوحيين وحياة الأنبياء والمرسلين وجهاد الرّعيل الأول من الصحابة رضي الله عنه والتّابعين، هذه الشواهد تبقى هي المعين الذي يستقي منه المسلم المجاهد زاده لرسم معالم الطريق والثبات عليه... وحريٌّ بأئمة الهدى أن لا يغفلوا عن ذلك.
من الأسس التّي رسخها القرآن الكريم في نفوس الصحابة رضي الله عنهم؛ أنّ بقاء الإسلام وشرائعه التّي منها الجهاد ذروة سنامه، ليس معلقا بأشخاص ولو كانوا أنبياء... ثمّ ترسخ هذا المبدأ بالحدث والحديث.
شاء اللّه أن تكون موقعة أحد، ثاني موقعة بين الإيمان والكفر وقتل فيها من الصحابة خلق كثير منهم حمزة أسد اللّه وسيد الشهداء، وأشيع مقتل النّبي صلى الله عليه وسلم فخارت عزائم وألقى بعض الصحابة سلاحه، وقال؛ على ما نقاتل بعد مقتله صلى الله عليه وسلم؟! وقال آخرون؛ لو كان نبّيا ما قتل! بل فكرت طائفة في مصالحة قريش لحقن دمائها وحفظ أموالها... فقالوا؛ كيف نهزم ويقتل منّا ونحن المّسلمون على الحق، وعدّونا على الباطل؟! واستغل آخرون الحدث، وثبّت اللّه طائفة فقالت؛ إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فإن اللّه حي لا يموت، وقال آخرون؛ إن قتل صلى الله عليه وسلم فلنقاتل ولنمت على ما مات عليه صلى الله عليه وسلم.
حدثت هذه النّازلة ودعوة الإسلام ودولته لا زالت في المهد لم تتخط الخط الأحمر، وفي خضم الحدث وتفاعلاته ينزل القرآن يعلّم ويوجّه... {و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}؛ لا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم ولا تحزنوا في قلوبكم عندما أصابتكم المصيبة وابتليتم بهذه البلوى فإنّ الحزن في القلوب والوهن على الأبدان زيادة مصيبة عليكم وأعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبّروها وادفعوا عنها الحزن، وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر الله تعالى أنه لا يليق بهم الوهن والحزن وهم الأعلون في الإيمان، ثمّ سلاّهم بما حصل لهم من الهزيمة وبيّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك فقال: {إن يّمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مّثله}، فانتم وهم قد تساويتم في القرح ولكنّكم ترجون من اللّه ما لا يرجون [1].
وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}، ترك ما جاءكم به من إيمان أو جهاد أو غير ذلك، {ومن يّنقلب على عقبيه فلن ّيضر الله شيئا}، إنّما يضر نفسه وإلاّ فاللّه تعالى غنيّ عنه وسيقيم دينه ويعزّ عباده المؤمنين، {و سيجزي اللّه الشاكرين}، وفي هذه الآية إرشاد من اللّه تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه فقد رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في أمور الدّين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه إذا فقد أحدهم قام به غيره وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين اللّه والجهاد عنه بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم وتستقيم أمورهم [2].
قال ابن القيم: (فذكر سبحانه أنواعا من الحّكم لأجلها أديل عليهم الكفار بعد أن ثبّتهم وقوّاهم وبشّرهم بانّهم الأعلون لما أعطوا من الإيمان وسلاّهم بأنّهم وإن مسّهم القرح في طاعته وطاعة رسوله، فقد مسّ أعداءهم في عداوته وعداوة رسوله، ثمّ أخبرهم أنّه سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه ولكن أراد أن يعلّمهم موجودين مشاهدين فيعلم إيمانهم واقعا ثمّ أخبر أنّه يتخذ منّهم شهداء، فإنّ الشّهادة درجة عالية عنده ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحمل درجة الشهادة التّي هي من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد ثمّ أخبر سبحانه أنّه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفار من الذنوب التّي أديل بها عليهم العدو، وأنّه مع ذلك يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا ثمّ أنكر عليهم مبناهم وظنّهم دخول الجنّة بغير جهاد ولا صبر وأنّ حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلاّ بالجهاد والصبر ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم فهذه بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم وإدالته في بعض الأحيان) [3].
هذه حادثة وغيرها كثير في تاريخ أمّتنا... ولك أن تسجل أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم لم يتخلّ عن دعوة الإسلام وعن الجهاد بحجة ما قيل من طرف الصحابة وما حدث من إدالة الكفر على الإيمان وقتل من قتل من أصحابه رضي الله عنهم في بداية الصراع المسلح مع الكفر، لكنه صلى الله عليه وسلم ضمد الجراح وصحّح المفاهيم الخاطئة وواصل طريق الدعوة والقتال، فكانت غزوة حمراء الأسد إثر أحد مباشرة وفيها من العّبر والعّظات ما يحسن بنا تدبّره... وكان لهذه الحادثة أثرها في تربية الصحابة... تعلموا... أشربوا مبدأ أنّ الإسلام لا ينتهي بانتهاء شخص... فليس بقاء الأشخاص شرطا في امتثال أوامر اللّه بل الوّاجب على الأمّم والجماعات عبادة ربّهم في كلّ وقت وبكلّ حال...
وكانت بعد أحد موقعة الرّجيع وقتل بعض الصحابة غدرا وكانت بئر معونة وقتل فيها من خيرة الصحابة، فلم يثنّ ذلك كله النّبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنه عن مواصلة طريق الدعوة والقتال... "بل مات النّبي صلى الله عليه وسلم وماجت المدينة واضطربت حتى قال عمر رضي الله عنه من قال مات رسول اللّه ضربت عنقه... وعنده تبرز أثار تربية النّبي ويقيّض اللّه أبا بكر رضي الله عنه ليرد الأمّة إلى رشدها ويصعد المنبر ويخطب في أمّة رسول اللّه خطبة الوّاثق برّبه ودينه وطريقه... (من كان يعبدّ محمدّا فإنّ محمدّا قد مات، ومن كان يعبدّ اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت)، ويتلوا أية آل عمران التّي نزلت يوم أحد فاللّه أكبر ما أعظم تربية رسول اللّه لذلك الجيل الفريد.
أليس في الدنيا أشدّ بلهًا ممّن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الأغراض فأين تكون البلوى إذن؟ لا واللّه لا بد من انعكاس المرادات، ومن توقف أجوبة السؤالات، ومن تشفي الأعداء في أوقات، أمّا من يريد أن تدوم له السلامة والنصر على من يعاديه والعافية من غير بلاء فما عرف التّكليف ولا فهمّ التّسليم.
أليس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينصر يوم بدر ثمّ جرى عليه ما جرى يوم أحد، أليس يصد عن البيت وتقهر بعد ذلك فلا بد من جيّدٍ ورَديٍ، فالجيد يجب الشكر والردى يحرك إلى السؤال والدعاء فإن امتنع الجواب، أريد نفوذ البلاء والتّسليم للقضاء وهاهنا يبين الإيمان وتظهر في التّسليم جواهر الرّجال [4]، فإن تحقق التسليم باطنا وظاهرا فذاك شأن الكامل، وإن وجه في الباطن إنعصار من القضاء لا من المقضي فإن الطبع لابد أن ينفر من المؤذي دلّ على ضعف المعرفة فإن خرج الأمر إلى الاعتراض باللسان فتلك حال الجهال" [5].
واعلم أن "البلاء الّذي يصيب العبد في اللّه، لا يخرج عن أربعة أقسام، فإنّه إمّا أن يكون في نفسه أو في ماله أو في عرضه أو في أهله وما يحب، والذي في نفسه قد يكون بتلفها تارة وبتألمها بدون التلف فهذا مجموع ما يبتلى به العبد في اللّه، ومن المعلوم أنّ الخلق كلهم يموتون وغاية المؤمن أن يستشهد في اللّه وتلك أشرف الموتة وأسهلها فإنّه لا يجد الشّهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم، فمن عدّ مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل بل موت الشهيد من أيسر الميتات وأفضلها وأعلاها، ولكن الفارّ يظنّ أنّه بفراره يطول عمره فيتمتع بالعيش، وقد أكذب اللّه سبحانه هذا الظنّ حيث يقول: {قل لن يّنفعكم الّفرار إن فررتم مّن الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلاّ قليلا}" [6].
فائدة:
إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد:
أوّلها: مشهد التوحيد وأنّ اللّه هو الذي قدره وشاءه وخلقه وما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن.
الثاني: مشهد العدل، وأنّه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه.
الثالث: مشهد الرّحمة وأنّ رحمته في هذا غالبة لغضبه وانتقامه ورحمته حشوه - أي ظاهره البلاء والمصيبة وباطنه الرّحمة والّلطف -
الرابع: مشهد الحكمة وأنّ حكمته اقتضت ذلك، لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا.
الخامس: مشهد الحمد وأنّ له سبحانه الحمد التّام على ذلك من جميع وجوهه.
السادس: مشهد العبودية وأنّه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيدّه وأقضيته بحكم كونه سلكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه [7].
كانت هذه بعض الحقائق أردت وضعها بين يدي الحديث عن مقتل ثلّة من المجاهدين، يتقدمهم أبو إبراهيم أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال رحمهم اللّه، لأقف مع القاريء الكريم وقفات مع الحدث فاللّه المستعان...
الوقفة الأولى:
هذه الكوكبة ليست الأولى في سجلّ قتلى الإسلام، فأرض الجزائر تسقى كل حين بدماء المجاهدين الطّاهرة... بذلوها طواعية ثمنّا للتّمكين لدين اللّه... وهل يمكّن الرجل قبل أن يبتلى؟ - كما قال الشافعي رحمه اللّه - مضوا تقبلهم اللّه في الشهداء، مضوا ولسان حالهم يقول:
في سبيل اللّه قمنا... نبتغي رفع اللّواء... فليعد للدّين مجده... أو ترق منّا الدّماء.
عاهدوا فوفّوا واللّه لا يضيع أجر المحسنين.
الوقفة الثانية:
قيادة المجاهدين يفرزها الميدان بحره وقزّه... تتقاسم مع جنودها الحلو والمّر، الأمنّ والخوف... قيادة تقاتل وتقتل في ساحة الشرف في سبيل قضيتها... عكس المتاجرين بقضايا ودماء المستضعفين... يقدمون أبناء الأمّة للحتوف ويجمحون إلى الكهوف، يزجون بهم في الخنادق ويختفون في الفنادق... {كل نّفس ذائقة الموت}، ولكنّهم لا يفقهون.
الوقفة الثالثة:
حين رضي أهل الشهادات بالمسكن والراتب والحياة الرّغيدة ولم يبالوا بما يصيب الدّين من اعتداء والأمّة من بلاء - وكأنّهم ليسوا منها - طلّق أبو إبراهيم وأعوانه – إخوانه - الشهادات الدنيوية لينالوا الشهادة الأخروية، تركوا الدنيا ومتاعها لما هو خير وأبقى في جنّة عرضها السماوات والأرض... دفاعا عن الدّين وعن أمّتنا المظلومة... فلتعلم الأمّة أنّ هؤلاء هم أبناؤها البرّرة المدافعون عن دّينها وحقوقها حقّا وفي تداول الأيّام وتصاريف الزمان عبر لمن يعتبر.
الوقفة الرابعة:
تحدّث الإعلام عن أبي إبراهيم وأعوانه؛ على أنّهم رؤوس في الجماعة، لكنّه لم يذكر أولئك الجنود البسطاء... نعم بسطاء في تفكيرهم؛ لا يعقّدون المسائل... بسطاء في عيشهم؛ ليست لهم كنوز تمنعهم الجهاد... بسطاء لكنّهم عظماء في جهادهم وبذلهم وعطائهم للدّين والمسلمين... نعم ليسوا قادة ولا علماء ولا رؤساء أحزاب... إنّهم جنود اللّه عرفوا حقّ الإسلام فلبوا النّداء وقاتلوا وقتلوا... كتبوا بعرقهم ودمهم معاني العزّة، وقيمة العلم والعمل لأولئك القاعدين الخاذلين الذين شدّتهم جواذب الأرض... ويعلّمون أولئك الطواغيت أنّ الموت في سبيل اللّه أحلى وأعلى من العيش في حمى الطواغيت والموت مَرّة خير من حياة مُرّة... والجوع أفضل من خبزة ملطخة بالعّار والنّار... ويوم تقوم الساعة تنجلي الحقائق، لكن ولات حين مناص.
الوقفة الخامسة:
ظنّ الإعلام ومرضى القلوب أنّ مقتل أبي إبراهيم وبعض أعوانه بداية نهاية الجهاد... خوفهم من الإسلام وتنامي الجهاد حملهم على هذا التفسير البليد... إنّ أبا إبراهيم وعكاشة وأسامة وغيرهم بشر، إن لم يموتو اليّوم فغدًا، {إنّك ميّت وإنّهم ميّتون}... ماذا كان أبو إبراهيم قبل تولي إمارة الجماعة؟ كان جنديا، سهمّا من سهام الإسلام، والإمارة زيادة تكليف... والجهاد كان قبل أبي إبراهيم وسيبقى حتّى يأتي أمر اللّه... مات رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقتّل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم... فهل إنتهى الإسلام وتوقف مدّ الجهاد؟ إنّ الإسلام قوة لا يدركها القاعدون ولا المحاربون له... إنّها قوة مستمدة من قوة اللّه... قوة تصنع الرجال الذين يصنعون الأحداث ثمّ يقتلون أو يموتون ويبقى الإسلام يصنع الأبطال... ولتعلمن نبأه بعد حين... ولكنّكم لا تعقلون.
الوقفة السادسة:
كما فرح أعداء الله بمقتل إخواننا، وهنّأ الكافر الصّليبي الأمريكي المرتّد الجزائري، فكذلك أولياء اللّه أحزنتهم النّازلة... {إن تمسسّكم حسنّة تسؤهم وإن تصبكّم سيئة يفرحوا بها}، فلأهل التوحيد والجهاد نقول:
وإنّا لقوم لا نرى القتل سبّة

إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالا لنا

وتكرهه آجالهم فتطول
تسيل على حدّ السّيوف نفوسنا

وليست على غير السيوف تسيل
الثّبات... الثّبات على طريق الجهاد، فالتّضحيات ثمن النّصر والتّمكين، وأمّة أخذت تقدم التّضحيات في سبيل قضيتها لجديرة أن تنال المجد،... {و ما كان اللّه ليطلعكم على الغيب}.
قال تعالى: {و كأين من نبيء قتل}، هذا تسلية للمؤمنين وحث على الإقتداء بهم والفعل كفعلهم وأنّ هذا أمر قد كان متقدما لم تزل سنّة اللّه جارية بذلك، فقال: {و كأين من نبيء قتل معه ربيّون كثير}، أي جماعات كثيرون من أتباعهم قد ربّتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال الصالحة فأصابهم قتل وجراح، {فما وهنوا لما أصابهم}، أي ما ضعفت قلوبهم ولا وهنت أبدانهم ولا استكانوا أي ذلوا بعدوهم بل صبروا وثبتوا وشجعوا أنفسهم ولهذا قال: {و اللّه يحب الصابرين} [8].
يا أهل التوحيد والجهاد...
أذكركم كلمة العباس بن عبادة الأنصاري يوم العقبة الثانية قبل البيعة (يا معشر الخزرج هل تدرون علا ما تبايعون هذا الرجل؟)، قالوا: نعم، قال: (إنّكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود منّ النّاس، فإن كنتم ترون أنّكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه من الآن، فهو واللّه إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه عل نكهة الأموال وقتل الأشراف؛ فخذوه فهو واللّه خير الدنيا والآخرة) [9].
أذكروا قول اللّه تعالى: {و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}؛ "في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد ياتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرّة من جانب المسرّة، ولم ييأس أن تأتيه المسرّة من جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب، فإن اللّه يعلم منها ما لا يعلمه العبد، ومن أسرار هذه الآية أنّها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجوا فيه من حسن العاقبة، ومنها أن لا يقترح على ربه ولا يختار عليه، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره، فلا انفع له من ذلك، ومنها أنه إذا فوّض أمره إلى ربه ورضي بما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي عارضت اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه لما يختاره هو لنفسه" [10].
"إنّ اللّه سبحانه وتعالى يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السرّاء والضرّاء، وفي حال العافية والبلاء وفي حالة إدالتهم والإدالة عليهم، فللّه سبحانه على العباد في كلتا الحالتين عبودية بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلاّ بها، ولا يستقيم القلب بدونها كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبّرد والجّوع والعّطش والتّعب والنّصب وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرطّ في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع" [11].
أما أنتم أيها الأعداء...
{هل تربّصون بنا إلى إحدى الحسنّيين ونحنّ نتربص بكم أن يّصيبكم اللّه بعذاب من عنده أو بأيدينا}... كم حارب أسلافكم الإسلام، فهل زال الإسلام؟ لقد عجزت دول الصليب مجتمعة، وعجز التتار عن محو الإسلام، وعجزت فرنسا عجزا فضيعا حتى قال بيدقها، ماذا نصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا... إنّما تضيعون أموالكم وجهودكم وتفوتون على أنفسكم فرص الهداية.
ورضي اللّه عن عمر حين قال لأبي سفيان يوم أحد: (لقد أبقى اللّه لك ما يسوؤك، ومن يغالب اللّه يغلب).
وأما أهل الإرجاف والتخذيل؛ فهم أحط قيمة في عين العدوّ والصديق منّا، لأنّهم رضوا بالهوان يوم أشربوا الوّهن، ومن خان دينه هل يؤتمن عل شيء، لعلكم تقولون " هذا جزاء التّهور والسير في طريق مسدود - كما ترون أنتم - تنسجون كلاما، كحال من قال فيهم تعالى: {إن تصبك مصيبة}؛ كإدالة العدو عليك، {يقولوا}؛ متبجحين بسلامتهم من الحضور معك، {قد أخذنا أمرنا من قبل}؛ أي قد حذرنا وعملنا بما ينجينا من الوقوع في مثل هذه المصيبة، {و يتولوا وهم فرحون}؛ بمصيبتك وعدم مشاركتهم إياك فيها [12].
وإنّي مسائلكم؛ أكان جهاد رسول اللّه وصحابته تهورا وهم أقل عددا وعدّة؟ وماذا فعلتم أنتم بتعقلكم؟ {قل لن يّصيبنا إلى ما كتب اللّه لنا}، إنّ ما قدّره اللّه "قدره بحكم عظيمة وفوائد جسيمة وانّه ليتبين المؤمن من المنافق، الذين لما أمروا بالقتال، {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه}؛ أي ذبا عن دين اللّه وحماية له، وطلبا لمرضاة اللّه، {أو ادفعوا}؛ عن محارمكم وبلدكم إن لم يكن لهم نيّة صالحة، فأبو ذلك واعتذروا بان قالوا؛ {لو نعلم قتالا لاتّبعناكم}، وهم كذبة في هذا" [13]، فأين الغيرة الدينية والنخوة الرجولية؟ {بل ظنّنتم ألن يّنقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا}.
تعيرنا أنّا قليل عديدنا

فقلت لها أنّ الكرام قليل
ولا قل من كانت بقاياه مثلنا

شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنّا قليل وجارنا

عزيز وجار الأكثرين ذليل
أقول لكم كما قال يعقوب عليه السلام؛ {بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون}.
الوقفة السابعة:
إنّ ما يحدث للمسلمين في بقاع الأرض من قتل وتشريد وامتهان، وما نراه من تحالف الأعداء علينا يوجب علينا أن نّكون صفا واحدا... {إنّ اللّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كانّهم بنيان مرصوص}، فمن الاهتمام بتمتين الصف الداخلي وتقوية الثقة بوعد اللّه وروح التعاون بين القيادة والقاعدة يجب السعي لمزيد من التعارف والتعاون بين الجماعات الجهادية لتقوية شوكة المسلمين.
المعركة جدّ لا هزل فيها، معركة كبيرة الشان وطويلة المدى مما يوجب تجنب العجلة والارتجال في المواقف والأعمال، لا بد من بعد النظر وتقدير موقع الرجل قبل الخطو، مع طول النفس، وعدم استصغار الخطا وإلف التقصير... الواجب المراجعة والتصحيح.
{وما كان قولهم إلاّ أن قالوا ربنا اغفرلنا ذنوبنا}؛ أي في تلك المواطن الصعبة؛ {وإسرافنا في أمرنا}؛ والإسراف هو مجاوزة الحد إلى ما حرّم، علموا أنّ الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان وأن التخلي عنها من أسباب النصر فسألوا ربهم مغفرتها ثمّ إنّهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر بل اعتّمدوا على اللّه وسالوه أن يثبّت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين وأن ينصرهم عليهم فجمعوا بين الصبر وترك ضده والتوبة والاستغفار والاستنصار [14]، ويتوب اللّه على من تاب.
الوقفة الثامنة:
حين تحيط بنا القروح وتتعبنا الجروح نتذكر قوله تعالى: {و لمّا رأى المؤمنون الأحزاب}، ودم الشهيد نار ونور، نار تحرق وتؤرق الأعداء... ونور يضيء للأجيال طريق العزّة والتّمكين، دم يزرع الحياة في النفوس الأبية المستضعفة... دم الشهيد يعلم الأجيال أنّ الرجال حقا هم أهل المقال والفعال، صنّاع الموت الذين يحسنون اختيار الموتات الشريفة... أمّا صناعة الحياة فالكل يحسنها، ولابد من الموت وعند ربك تجتمع الخصوم، أما المجاهدون فسيقولون: قاتلناكم وقتلناكم لتكون كلمة اللّه هي العليا، أما أنتم أيها الطواغيت ويا أنصار الطواغيت ماذا سيكون جوابكم؟
الوقفة التاسعة:
لقد أظهر الحدث أنّ الأعداء يكّنون لنّا حقدا كبيرا... {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لّن يخرج اللّه أضغانهم ولو نشاء لأرينّاكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول}... كما كشف عن حجم الجماعة وجهادها في تقدير الأعداء، رغم استصغارها وهم يعترفون بضربات المجاهدين... ومهما يكن... ومهما تجبّر الأعداء، ولوّحوا بالقوة، فإنّ القرآن علمنا أنّ مصرع الطواغيت حتمية تاريخية... علمنا أنّ الباطل كان زهوقا، وسقوط مأذون بمجيء الحق... {و قل جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا}.
والحمد للّه إنّنا نرى اليوم في أبناء أمّتنا صحوة جهادية مباركة، تقضّ مضاجع الكافرين والمرتدين والخائنين... تدميهم وتبكيهم، {والذين قاتلوا في سبيل اللّه فلن يّضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنّة عرفها لهم}، لن تدوم لهم الفرحة، {وكأيّن من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نّكرا}؛ في فرحكم قرحكم... {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم}، {سيهزم الجمع ويولّون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}.
وقبل أن أضع القلم أقول...
إنّ الحديث ذو شجون، والعبر في أحداث الجهاد كثيرة يضيق بها مقال، واللّه يفتح بفضله على من يشاء... لكن رجائي أن يساهم الإخوان في تناولها وإثرائها.
عن مجلة الجماعة
العدد الثاني، ذو القعدة/1425هـ
[1] تفسير السعدي
[2] تفسير السعدي
[3] إغاثة اللهفان 2/191
[4] قال الحسن البصري رحمه اللّه: كانوا يتساوون في وقت النعم فإذا نزل البلاء تباينوا.
[5] صيد الخاطر لابن الجوزي ص 215ـ 216.
[6] إغاثة اللهفان 2/193ـ194
[7] الفوائد لابن القيم ص 66ـ 67
[8] تفسير السعدي
[9] السيرة النبوية لابن هشام ص 177
[10] الفوائد لابن القيم ص 246
[11] إغاثة اللهفان 2/190
[12] تفسير السعدي
[13] تفسير السعدي
[14] تفسير السعدي
أضف تعليقا
من ليبيا

اخي الغالي و العزيز // سيف
للاسف نحن نحتاج الي جهاد النفس قبل
كل شيئ ....
و بعدها يأتي جميع انواع الجهاد الاخري
و الدموع التي سكبنها علي انفوسنا اكثر بكثير
من التي سكبنها علي الاموات منا او علي
المجاهدين الابطال ،،،،،،
فنحن كل ما يجري من حولنا نحن السبب فيه
و الحكومات الفاشلة ايضا ....
و لكن رغم كل ما نعيش من المعناة لنا امل
في الله عز و جل ....
و النصر بإذن منه قادم ان شاء الله
نقل جميل رغم انه المقال طويل اشوية
اتمني لك التوفيق
اختك في الله ... تااياااا
من اليمن

جاري الفاظل سيف
الجها الجهاد ..... فرض اللع علينا الجهاد منذ انشىء الارض لان اول جهاد هو جهاد النفس للنفسها , و جهادنا للشيطان الرجيم و ابليس اللعين و جهادنا الباطل ودحرة باللسان والقول وباليدو العمل و بالعقل و حتى بالدعاء
الجهاد ليس محددا بتاريخ محدد او بشكل واحد ابل هو مقاس و مرن لكل الازمان و بكل الاشكال
جهاد الام في تربية اولادها بالتربيه الدينيه و تقويم عود ابنائها و جهاد الاب بالعمل و الكفاح و حسن تنشئه اطفاله و جهاد الانسان لكل عن كل البلاء
و جهاد الظلم و جهاد المحتل و الجهاد لإعلاء كلمة االله العليا و الجهاد لنشر الحقيقه و الجهاد لدحر التاريخ المزيف و اظهار الحقائق شامله
شكرا لك يا جاري لمقالاتك الهادفة
اختك
قمر
من الأردن

اخي الراقي سيف
بارك الله فيك على الموضوع القيم
نعم وجب علينا اتباع نهج الحبيب والتابعين من بعده
والجهاد ضد المعتدي واجب بل فرض عين على كل مسلم قادر على المقاومة
نسأل الله ان يوحد صفوف المسلمين على كلمته وينصرهم على من عاداهم
احييك على المجهود الرائع في تقديم ما هو قيم
دمت بخير وسعادة ورضا من الله
ولك كل التقدير والاحترام
من مصر

إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد:
أوّلها: مشهد التوحيد وأنّ اللّه هو الذي قدره وشاءه وخلقه وما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن.
الثاني: مشهد العدل، وأنّه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه.
الثالث: مشهد الرّحمة وأنّ رحمته في هذا غالبة لغضبه وانتقامه ورحمته حشوه - أي ظاهره البلاء والمصيبة وباطنه الرّحمة والّلطف -
الرابع: مشهد الحكمة وأنّ حكمته اقتضت ذلك، لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا.
الخامس: مشهد الحمد وأنّ له سبحانه الحمد التّام على ذلك من جميع وجوهه.
السادس: مشهد العبودية وأنّه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيدّه وأقضيته بحكم كونه سلكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه [7].
مقال ممتاز ومفيد جدا" جدا"
تسلم يدك اخى
دمت بخير
وحفظك الله
اختك
نجوى المصرية
من سوريا

أحمل جروحي و أحبس الدمع في العين
و أشكي فراق أحبة محمدا و صحبه
لكن روحكم معنا ما تفارقنا و لا لحظة
سيبقى الجهاد ماض مهما كثر الدم و الدمع
وما يضيرنا شهيد واحد يقابله ولادة ملايين من الأبطال ولن نتوانى و سيأتي النصر بإذن الله
الحق يعلو و لا يعلى عليه
سلمت يداك أخي سيف على هذا التوضيح الرائع و بارك الله فيك
لك تقديري و تقبل مروري 
الاخ ..الكريم ..سيف ..
قبل ان نجاهد عدونا دعونا فى الاول نجاهد انفسنا وقبل الدم والدمع .. تعالو نصلح قلوبنا و ومابداخلنا .. ونغير ما فى انفسنا حتى يغير الله ما اصابنا ..واذا انتصرنا على انفسنا سهل جدآ الانتصار على اعدائنا ..الامه الاسلاميه بحاجه الى دعاء وشيوخ وعلماء ومؤمنين ومسلمين للحث على الرجوع الى دين الله اكثر ما انهم محتاجين الى من يهددهم ويقتلهم ويسفك دمائهم ويتهمهم بلكفر والنفاق ... الامه الاسلاميه فى غفوه وبحاجه الى من يوقظها لا الى من يقتلها ... مقالك مميز وراقي
كل الاحترام والتقدير
حاتم
من الولايات المتحدة

الأخ العزيز سيف
السلام عليكم ورحمة الله
إن الله لم ينسانا
ولكن يجب أن نصفي قلوبنا ونضع الله أمام أعيننا ونتوحد
فبدون الوحده لن نستطيع قتل أعداء الإسلام ولن ننتصر
نرجوا الله أن يحنن قلوبنا على بعضنا البعض.
تحياتي
أبو مراد
اخي العزيز سيف
يعطيكـ العآفيـــــة
على هذا الطرح ,,
تحيــــآتي
ودمت في حفظ المولى
الكاتب
مدونة العربي الفصيح
من فلسطين

اخي العزيز مقالك شمعه ؤضائه في جيران انرت الموقع بالحقيقه التي كم نحن بحاجه لها وكم هو صعب اليوم وضعها في انحاء الامه نحن حقا نحتاج وقبل اي شيء الرجوع لمنهاج الله سبحانه وتعالى واعلاء كلمة الحق اتمنى ان تصل رسالتك لجميع القلوب الحية... سفر العيون
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















من سوريا
أخي سيف
مساء الخير
نحن لدينا عدو و واحد فقط وهو الاحتلال
و لنا الحق في مقاومته
و بوحدتنا و بوحدة هدفنا
سيهزم المعتدي و يزول الاحتلال
و تسترجع الحقوق كاملة
د\\ أحمد